2010/03/13

الطيران الاقتصادي في مواجهة العاصفة

لقد فعلت الأزمة الاقتصادية العالمية فعلتها في الطيران الاقتصادي، وكبدته خسائر جمة. كما فعلت بغيره من شركات الطيران العالمية التقليدية؛ وفيما انهارت شركات عديدة من فئة الطيران الاقتصادي في العالم، لم تنهر سوى شركة واحدة في المنطقة، بينما صمدت البقية في وجه ذلك الإعصار الهائج، وهي اليوم تكافح من أجل البقاء من خلال خطط إستراتيجية وإجراءات تسويقية مدروسة، لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا
ماذا ستوفر تلك الأمور لهذه الشركات؟ وما هي طبيعتها؟ وكيف سيكون مستقبل الطيران الخاص بالمنطقة؟
قبل أن تضرب الأزمة الاقتصادية العالمية ضربتها وتشتعل في منتصف عام 2008، كانت منطقة الخليج العربي قد دشنت وقتها للتو شركة جديدة أخرى تضاف إلى شركتي الطيران الاقتصادي هناك، وتدعى «فلاي دبي»، متفرعة من الشركة الكبرى الأم «طيران الإمارات». وجاء تدشين «فلاي دبي» تعزيزا للنمو الكبير في معدل الحركة الجوية والسفر جوا التي سبقت تاريخ إطلاقها بعدة أشهر، إلا أن ذلك كله ذهب أدراج الريح بعد أن تفاقمت الأزمة الاقتصادية وخرجت عن المألوف.
عزوف عن السفر
أدى تردي الوضع الاقتصادي في العالم الى حدوث ركود كبير في حركة النقل الجوي، وأثر سلبا على شريحة كبيرة من الشركات ذات الكلفة المنخفضة، الأمر الذي لم يعد يسمح لها بالمنافسة فيما بينها ولم تعد العوائد كافية لتغطية حتى النفقات. وبالتالي أشهرت العديد منها إفلاسها وانتهت من الوجود. لكن بعض تلك الشركات ارتأت أن تغير من نمط تشغيلها كي تبقى، فعمدت إلى استقطاب شريحة المسافرين من ذوي الدخل المتوسط وما فوق، بعد أن كانت تعتمد على شريحة المسافرين جوا من ذوي الدخل المحدود، وذلك من خلال تقديم خدمات وعروض ولو محدودة مجانا، تماما على غرار شركات الطيران التقليدية الكبرى؛ بل وعمدت إلى اعتماد مبدأ «المسافر الدائم» من خلال مكافأته على سفره المستمر بتقديم حسومات (خصم) على تذاكر السفر إلى جانب الخدمات المجانية التي هي في العادة تقدم نظير تكلفة، وهذا بدوره ساهم في جذب بعض المسافرين من فئة رجال الأعمال.

أسعار الوقود
لا يمكن أن نغفل تأثير ارتفاع أسعار وقود الطائرات ووصولها قبل ذلك إلى معدلات فاقت الخيال، ومن ثم هبوطها إلى مستويات متدنية جدا، ومن ثم عودتها إلى الصعود لكن بثبات. ولا تزال شركات الطيران المنخفضة التكاليف تدفع ثمن هذا الارتفاع المثير في سعر الوقود. لقد تكبدت شركة «نورث ويست» خسائر جمة من خلال نظام الشراء التحوطي للوقود، ويعرف هذا المبدأ بنظام شراء التحوط أو «Hedging» وتقوم شركة الطيران بموجبه بشراء حصص وقود بسعر معين كإجراء احتياطي لمواجهة أي ارتفاع متوقع للوقود في المستقبل، وذلك عبر الاتفاق مع بنك معين يكفل لها التمويل اللازم لذلك، في حين يتعين على شركة الطيران دفع الفرق في حالة انخفاض السعر عن المعدل وهذا بدوره أدى الى تدهور في العديد من شركات الطيران التي اعتمدته مؤخرا.
الاستحواذ على شركات خدماتية
إجراء آخر قامت به شركات طيران تقليدية وأخرى اقتصادية، وهو عملية الاستحواذ على شركة تقدم خدمات في المطارات أو في قطاع الطيران، وذلك كي تكون بمنزلة مصدر مأمون للتمويل في غياب الممولين من البنوك نتيجة إفلاس العديد منها. فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة طيران الجزيرة الكويتية في فبراير الماضي استحواذها الكامل على شركة سحاب لتأجير الطائرات، كانت قد ساهمت في تأسيسها قبل ذلك بالتعاون مع مؤسسات مصرفية عالمية، وتأتي عملية الاستحواذ هذه كخطوة أولى في تنفيذ إستراتيجية للتكامل تهدف إلى تحقيق نمو إضافي عن طريق شراء شركات توفر خدمات مساندة لعمليات الطيران، لكن في حقيقة الأمر توفر مثل عمليات الاستحواذ تلك فرصة أكبر للبقاء في السوق حتى في ظل أي ركود قد يطرأ في المستقبل في وجه أي تقلب اقتصادي محتمل. كما حذت شركة طيران العربية ومقرها الشارقة حذو طيران الجزيرة من خلال شرائها لشركة خدمات مساندة هي الأخرى، بل وطرحت الشركة أسهمها للاكتتاب في سوق دبي للأوراق المالية.
مستقبل شركات الطيران الاقتصادي في المنطقة
صحيح أنه لا تزال نسبة حركة الطيران الاقتصادي في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تقدر بنسبة %4 من معدل الحركة الجوية، في مقابل %30 في الولايات المتحدة وأوروبا، فإن مستقبل تلك الشركات ليس في خطر محدق كما أنه ليس مطمئنا إلى درجة يمكن معه التكهن بنجاح ونمو كبير في هذا القطاع؛ إن ما يجب على تلك الشركات اتباعه بغية رفع تلك النسبة ولو بقليل هو أن تعرف المسافر العربي أكثر بطبيعة تشغيلها، فلا يزال هناك الكثير من المسافرين جوا يجهلون طبيعة تشغيل الطيران الاقتصادي، وأنه من الممكن أن يحصلوا على فرص ثمينة لأسعار تذاكر بالغة الانخفاض إذا ما تعرفوا أكثر على كيفية اقتناص الفرص التي تقدمها تلك الشركات التي تعول على نمطها غير الثابت في سعر التذكرة في الربحية، وهذا قد يضفي وعيا اقتصاديا مفيدا للمسافر العربي جوا، الأمر الذي قد يعود بالنفع على الاثنين معا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق